فخر الدين الرازي
151
القضاء والقدر
المجاز خلاف الأصل . واللّه أعلم . الحجة الثانية : قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 1 » وهذه الآية هي التي يظن المعتزلة أنها في غاية القوة من جانبهم . وتقريره : أن نقول : فعل العبد موقوف على مشيئة العبد ، ومشيئة العبد موقوفة على مشيئة اللّه تعالى . ينتج : أن فعل العبد موقوف على مشيئة اللّه تعالى . وإنما قلنا : إن فعل العبد موقوف على مشيئته ، للقرآن والعقل . أما القرآن . فقوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ دلت هذه الآية : على أن مشيئة الإيمان مستعقبة للإيمان ، ومشيئة الكفر مستعقبة للكفر ، وظاهر أيضا : أن عند عدم هذه المشيئة لا يصدر الفعل عن القادر . وأما العقل . فهو أن القادر ، قادر على الضدين . أعني : الكفر والإيمان والمعصية والطاعة . فيمتنع أن يترجح أحدهما على الآخر ، إلا بواسطة القصد والمشيئة . وإنما قلنا : إن مشيئة العبد موقوفة على مشيئة اللّه تعالى للقرآن والعقل . أما القرآن . فقوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » ومفعول هذه المشيئة : محذوف . فإما أن يكون التقدير : وما تشاءون إلا أن شاء اللّه ذلك الشيء ، أو يكون التقدير : وما تشاءون شيئا ، إلا أن شاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . والأول محال . لأن « زيدا » إذا شاء حركة جسم ، وشاء « عمرو » سكونه . فيلزم أن يقال : إن اللّه شاء حركته وسكونه معا . وذلك محال . ولما بطل هذا تعين حمل الآية على الوجه الثاني . فيكون التقدير : وما تشاءون شيئا إلا وشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . وأيضا : فالمشيئة مذكورة صريحا ، ومفعول المشيئة غير مذكور صريحا . فإذا حملنا هذه الآية على أن المراد : وما تشاءون شيئا إلا ويشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . كنا قد أضمرنا ما لم يسبق ذكره . ولا شك وأن الأول : أولى . فثبت : أن تقدير الآية : وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه مشيئتكم لذلك الشيء . وهذا يدل على أن حصول المشيئة لنا موقوف على مشيئة اللّه تعالى . وأما المعقول : فهو أنه يمكن أن يحصل للعبد مشيئة الإيمان ، وأن يحصل له مشيئة الكفر بدلا عن مشيئة الإيمان . فحصول إحدى المشيئين بدلا عن الأخرى ، لا بد وأن يكون لترجيح مرجح . فإن كان ذلك للعبد ، عاد الطلب فيه . ويلزم التسلسل . وهو محال . وإن كان هو اللّه فهو المطلوب . فثبت بالقرآن والبرهان : أن صدور الفعل عن العبد ، موقوف على مشيئة لذلك الفعل ، وثبت أيضا بالقرآن والبرهان : أن حدوث تلك المشيئة في قلب العبد متوقف على إن شاء اللّه
--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 29 . ( 2 ) سورة الإنسان الآية 30 .